اللجنة الدستورية السورية: الشيطان في التفاصيل

كرم شعار وأيمن الدسوقي

  • Facebook
  • Twitter

نشرت لأول مرة بالإنجليزية في معهد الشرق الأوسط بتاريخ كانون الأول 2020

خلفية

تعدّ عملية كتابة دستور جديد لسوريا بطيئة للغاية. حيث بدأ التحرك لإجراء إصلاح دستوري في حزيران 2012 مع بيان جنيف الصادر عن مجموعة العمل حول سوريا المدعومة من الأمم المتحدة، الذي أعاد التأكيد على أهمية تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 الصادر في كانون الأول 2015 والذي تمت الموافقة عليه بالإجماع. مع ذلك، استغرق التوصل إلى اتفاقية لتشكيل لجنة دستورية في مؤتمر سوتشي خمس سنين إضافية (كانون الثاني 2018). ويُعدّ النظام السوري وروسيا المسؤولين الأساسيين عن هذا التأخير. إذ قام النظام بتعطيل العملية السياسية على الدوام في محاولة منه لتغيير الواقع في الميدان. وفي الوقت نفسه، أبدت روسيا قليلاً من الالتزام بالمسار السياسي بعد أن ساعد تدخلها العسكري في أيلول 2015 النظام على استعادة السيطرة على مساحات واسعة من البلاد.

وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت عن التشكيل الرسمي للّجنة الدستورية السورية في أيلول 2019، بعد 18 شهراً من اتفاق سوتشي المبدئي. وتتألف من أعضاء يمثلون ثلاث كتل: هيئة التفاوض السورية المعارضة، وكتلة "الوسط الثالث" (المجتمع المدني)، والحكومة (نظام الأسد). ووفقاً للأمم المتحدة، يُعد عمل اللجنة الدستورية السورية جزءاً من عملية سلام "مملوكة من السوريين وبقيادتهم". لكن تأثير كل من تركيا وروسيا على تشكيل هيئة التفاوض كان واضحاً، فضلاً عن أسماء الأعضاء من كتلة المجتمع المدني التي رشحتها الأمم المتحدة ووافقت عليها الحكومة وهيئة التفاوض وداعميهم الدوليين.

وتُعدّ قرارات اللجنة السورية غير ملزِمة ولا محددة بمواعيد نهائية. وتتألف اللجنة من مجموعتين رئيسيتين، لكل منهما وظيفة واضحة. تضم المجموعة المصغّرة 45 عضواً (15 ممثلاً عن كل كتلة) وهي مكلّفة بصياغة الدستور. أما المجموعة الموسعة فهي مكلّفة بالمصادقة على مسودة الدستور وتتكون من 150 عضواً، يتوزعون بالتساوي بين الكتل الثلاث. وبإمكان المجموعة الموسعة عقد اجتماعات بشكل دوري أو بالتوازي مع العمل المستمر الذي تقوم به المجموعة المصغرة. وحتى الآن، اجتمعت اللجنة الدستورية السورية ثلاث مرات (حين كتابة الدراسة)، ولم يشارك جميع أعضائها إلا في الدورة الأولى.

وتنص الشروط المرجعية على أن تتوصل اللجنة الدستورية إلى قراراتها بالإجماع إذا كان ذلك ممكناً. وحين يتعذر ذلك، تتطلب القرارات دعم 75 بالمئة من الأعضاء في المجموعتين على النحو التالي (113 من المجموعة الموسعة و34 من المجموعة المصغّرة). وللجنة الدستورية ترتيب متوازن يتعلق برئاستها: رئيسان، واحد تُرشّحه الحكومة السورية وآخر ترشحه هيئة التفاوض السورية المعارضة. وينبغي على كتلتي الحكومة وهيئة التفاوض الموافقة على جدول أعمال المناقشات قبل عقد أي اجتماع. وهو السبب وراء تأجيل بعض الدورات بصورة متكررة.

خلاصة المفاوضات حتى الآن

لم يتم الاتفاق على أي أمر تقريباً منذ الاجتماع الأول للجنة الدستورية السورية الذي عُقد قبل أكثر من عام. وتُظهر دورات المحادثات الثلاث السابقة مدى صعوبة مسار التفاوض.

ففي الدورة الأولى من المحادثات، والتي استُهلّت في 5 تشرين الأول 2019، اقترحت الكتل الثلاث نقاطاً رئيسية لتكون بمثابة أساس للمفاوضات. إذ اقترحت هيئة التفاوض بعض المبادئ الدستورية، منها فصل السلطات ونزاهة الانتخابات. ودعا بعض أعضاء كتلة المجتمع المدني إلى رفع العقوبات الغربية ودعا آخرون إلى الافراج عن المعتقلين السياسيين. بالمقابل، طالبت الحكومة أن تندّد اللجنة الدستورية بالإرهاب، كجزء من قائمة "المبادئ الوطنية"، وعادة ما تصف الحكومة جميع فئات المعارضة المسلحة بالإرهابيين. وحين رفضت هيئة التفاوض هذا المطلب، انهارت الدورة الأولى من المحادثات.

وكانت الدورتان الثانية والثالثة فاشلتين كالأولى. إذ بدأت الدورة الثانية من المحادثات في 25 تشرين الثاني 2019 بعد توسط من الأمم المتحدة على اتفاق الكتل الثلاث على الجلوس ومناقشة "المبادئ الوطنية" للحكومة مع استبعادها كشروط مسبقة. لكن الأطراف لم تتمكن حتى من الاتفاق على المبادئ. وتم تأجيل الدورة الثالثة من المحادثات حتى 24 آب، ويرجع ذلك جزئياً إلى جائحة كورونا. وحين سألنا عن سبب تعذُّر عقد الاجتماعات بصورة افتراضية، أشار مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا إلى أن "أعضاء اللجنة الدستورية السورية لم يتفقوا على ذلك". واستؤنفت الاجتماعات بعد تعليقها بسبب تأكيد إصابة أربعة من أعضاء اللجنة بفيروس كورونا، دون إعلان عن أي اتفاق. وتحاول الأمم المتحدة عقد دورة رابعة من المحادثات بعد تمكنها من إقناع كتلتي الحكومة وهيئة التفاوض بالموافقة على جدول الأعمال.

سخرية غير مبررة

يعتقد معظم السوريين أن عمل اللجنة الدستورية السورية لن يغيّر شيئاً. إذ وجد استطلاع رأي عينة منتظمة تضم نحو 3 آلاف من السوريين والسوريات قامت به منظمة اليوم التالي أن لدى 15 بالمئة من المشاركين آراء إيجابية بشأن اللجنة الدستورية. ونحو 63 بالمئة منهم يعتقدون أن أهداف اللجنة الدستورية "محاولة للالتفاف على جوهر المشكلة السورية" و"محاولات لتمرير الوقت"، في حين كانت النسبة المتبقية من المشاركين، 22 بالمئة، إما محايدة أو ذات آراء أخرى.

ورغم أن فرص نجاح اللجنة الدستورية ضئيلة، إلا أنه لا بد من الاعتراف بأنها أكثر محاولة بناءة ظهرت للتوصل إلى تسوية سياسية حتى يومنا هذا. صحيح أن نظام الأسد لا يريد التوصل إلى تسوية سياسية حقيقية للصراع لأنها ستقلل من فرص بقائه على المدى الطويل، لكن روسيا وإيران، اللتين تتمتعان بتأثير قوي على النظام، تسعيان نحو تسوية سياسية. إذ استنزف الصراع الطويل منهما المال والدماء. وتأمل كل منهما تعويض شيء من خسارتهما بسبب بشار الأسد ونظامه بعد التوصل إلى اتفاقية سياسية ورفع للعقوبات، حيث لا يمكن للأسد تأجيل العملية إلى أبد الآبدين. ومن جهتهما، فرضت تركيا والولايات المتحدة نفوذهما بالقوات المسلحة والعقوبات، ما يؤكد على أنهما لن تسمحا بحسم النزاع عسكرياً.

باختصار، أدركت كافة الأطراف أخيراً، باستثناء النظام السوري، أن ما من حل عسكري للنزاع، الأمر الذي انعكس في تراجع أعمال العنف في الآونة الأخيرة.

المنهجية

جمعت هذه الدراسة معلومات عامة عن 150 عضواً من اللجنة الدستورية، حيث نعتقد أن نجاح أي صياغة دستورية يعتمد على تركيبة اللجنة وخلفية أعضائها. وتأتي النتائج التي توصلنا إليها مع تحذير: لا نضمن مصداقية بياناتنا التي جُمع بعض منها من حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي أو من شهادات خبراء أو من أعضاء اللجنة أنفسهم. اعتمدت الدراسة كذلك على مجموعة مقابلات مع الفاعلين في أعمال اللجنة، اختار جميعهم عدم الكشف عن هوياتهم.

الشيطان في التفاصيل

عند دراسة تركيبة اللجنة الدستورية، من المهم ملاحظة أن تشكيل قائمة من الأعضاء تمثل جميع أطياف التركيبة السكانية، مثل الجنس والعمر والعرق والدين والانتماء السياسي، في مجلس يضم 150 عضواً فقط هو أمر مستحيل إحصائيًا. ومع ذلك، وفي حين أن بعض مجالات التمثيل غير المتكافئ الواردة أدناه قد لا تحتاج إلى تصويب، غير أنها توفر رؤى مفيدة جداً في الأعمال الداخلية للجنة الدستورية وفي فرص نجاحها بكتابة دستور يقبله السوريون.

التوازن العرقي

تنحاز اللجنة الدستورية بصورة كبيرة ضد الأكراد، الذين يشكّلون 4 بالمئة فقط من مجموع أعضائها، أي أقل من نصف نسبتهم المئوية في التركيبة السكانية السورية. وحيث أن التمثيل الكردي في اللجنة الدستورية ضعيف، فإن التمثيل العربي أكبر من اللازم. وفي حين أن التمثيل الكردي ضعيف في العموم، إلا أن حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي له الكلمة العليا في الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، مستبعد تماماً. ويتواجد نحو ربع السكان في البلاد والكثير من مواردها الطبيعية، كالنفط والقمح والقطن في مناطق الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا. وبالمقارنة، فإن المجلس الوطني الكردي المنافس، الذي أبعده حزب الاتحاد الديمقراطي عن السلطة والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع تركيا، لديه عضوان في كتلة هيئة التفاوض السورية المعارضة (أي 4 بالمئة منها).

وقد ركزت تحركات الولايات المتحدة وروسيا الأخيرة على توحيد مختلف الفصائل السياسية الكردية على أمل دمج حزب الاتحاد الديمقراطي في اللجنة الدستورية. لكن حزب الاتحاد الديمقراطي تربطه علاقات وثيقة بحزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه كل من تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة منظمة إرهابية. وتفسر هذه العلاقات بصورة جزئية سبب استبعاد حزب الاتحاد الديمقراطي من اللجنة الدستورية في المقام الأول. ولأن الحزب لاعب رئيسي في الشمال الشرقي، ينبغي الترحيب بالجهود الأمريكية والروسية. فهو مدعوم من العديد من الأكراد ويعاني من بعض المظالم التاريخية التي يجب معالجتها. وستعود مشاركة حزب الاتحاد الديمقراطي في المسار السياسي بالفائدة على جميع الأطراف، بما في ذلك تركيا.

لأي معسكر سياسي ينتمي الأعضاء؟

من حيث الميول السياسية الحالية لأعضاء اللجنة الدستورية، نعتقد أن 51.1 بالمئة من المجموعة المصغّرة المعنية بصياغة الدستور هم من الموالين للأسد أو ميّالين إلى النظام، بينما ينتمي 46.7 بالمئة منهم أو يميلون إلى المعارضة، والنسبة الباقية 2.2 بالمئة (عضو واحد) حيادي. والحال مماثلة في المجموعة الموسعة، إذ نجد 49.3 بالمئة من الأعضاء موالين للنظام، مقارنة بـ 47.3 بالمئة يدعمون المعارضة، والبقية (خمس أعضاء) والذين يمثلون 3.3 بالمئة حياديون على الأرجح. وتتناقض هذه الأرقام مع البحث الذي قام به معهد دراسة الحرب عام 2019 الذي يظهر أن الغالبية العظمى من أعضاء اللجنة الدستورية مؤيدون للنظام. ولأن دراسة معهد الحرب لم تحدد ميول كل عضو على حدى، لم نتمكن من مقارنة نتائجها على مستوى الفرد.

بالرغم من أننا نؤمن بأن هناك مبالغة شديدة لدى الكثيرين بعدد أعضاء اللجنة الدستورية الذين يدعمون النظام، ما يهم هو أن نسبة أي طرف من الطرفين لم تقترب من نسبة الـ 75 بالمئة اللازمة لتمرير الدستور، ما يجبر جميع الأطراف على التنازل.

من الناحية المثالية، ينبغي أن تقع مهمة صياغة دستور جديد على عاتق أعضاء تكنوقراطيين. لكن السوريين سيحصلون على نقيض ذلك بعد عشر سنوات من الحرب: دستور صيغ من أناس بوجهات نظر سياسية مؤثرةٍ على الأرض. وفي حين أن ذلك قد يحسّن فرص التوصل إلى إجماع على الدستور، فإنه لا يضمن بأي حال من الأحوال النتيجة المثلى للشعب.

الأكبر سناً، الأكثر حكمة؟

تنحاز اللجنة الدستورية إلى كبار السن، حيث لا يوجد أي عضو من أعضائها تحت سن 32، وتبلغ نسبة من هم في سن الستين أو أكثر 26 بالمئة على الأقل. ويقدم استطلاع رأي قامت به منظمة اليوم التالي دليلاً على انقسام الأجيال حول العديد من القضايا الدستورية. إذ يميل الشباب السوريين إلى الاختلاف على دور الدين وفصل السلطات على سبيل المثال. ولذلك، قد يلبي الدستور المستقبلي تطلعات الكبار في السن أكثر من الشباب وهم الغالبية من السكان.

أين هي النساء؟

تشكل العضوات في اللجنة الدستورية نسبة 27 بالمئة من مجموع عدد الأعضاء. وكانت الأمم المتحدة قد ناشدت الأطراف السورية لتأمين نسبة تمثيل للنساء تبلغ 30% على الأقل من وفودها. لكن الوفود السورية لم تصل إلى هذه النسبة. وقد يؤثر التمثيل غير المتكافئ هذا على نجاح العملية الدستورية. وكما تقول هيئة الأمم المتحدة للمرأة: "تُظهر الأدلة أن احتمال التوصل إلى اتفاق سلام واستمراره أكبر حين تشارك النساء في العملية". ورغم النسبة غير المتكافئة في اللجنة الدستورية، لكنها تتجاوز النسبة العالمية للنساء في البرلمانات (24.5 بالمئة في تشرين الأول 2019) وكذلك في الكونغرس الأمريكي، التي تبلغ النسبة فيه حالياً %23 بالمئة.

 

لكن التمثيل النسائي في كتلة هيئة التفاوض المعارضة بشكل خاص منخفض ويبلغ نسبة 14 بالمئة. وفي محاولة منها للتعويض عن هذا في مبادئها الدستورية، نصّت هيئة التفاوض على أن يكون الحد الأدنى للتمثيل النسائي 30 بالمئة في جميع المؤسسات الوطنية. وتزيد نسبة النساء في كتلة الحكومة، حيث تبلغ 22 بالمئة. وبات التمثيل الجندري في كتلة المجتمع المدني، الوفد الذي شاركت الأمم المتحدة بتشكيله، متوازناً تقريباً، وتبلغ نسبة الأعضاء من النساء 46 بالمئة.

التحيز المناطقي

لم تُمثّل مناطق حلب والرقة ودير الزور بشكلٍ كافٍ في اللجنة الدستورية. إذ تبلغ نسبة الأعضاء من المحافظات الثلاث مجتمعةً 13 بالمئة فقط، في حين أنها تمثل ثلث إجمالي سكان البلاد، وهذا اختلال كبير في التمثيل. ويرجع قدر كبير من هذا النقص في التمثيل إلى التواجد المفرط لأعضاء من محافظتي دمشق وريفها. ويصعب تحديد أثر هذا الانحراف في التمثيل على عمل اللجنة الدستورية.

التمثيل الديني

تبدو اللجنة في هذا المجال متوازنة بصورة ملحوظة، مع زيادة طفيفة في تمثيل المسحيين والعلويين على حساب السنة، وفقاً للإحصاءات الوطنية الواردة في كتاب حقائق العالم.

التمثيل التعليمي

يحظى أعضاء اللجنة الدستورية بتعليم عالٍ: أكثر من 46.7 بالمئة من أصحاب الشهادات العليا، وهي أكبر من نسبة المتعلمين في المجتمع السوري ككل. كما أن 42 بالمئة منهم درسوا القانون، وهي ميزة مهمة عند التعامل مع القضايا الدستورية. وفي المجموعة المصغّرة المعنية بصياغة الدستور، ترتفع النسبة لتصل إلى 44.4 بالمئة (20 عضواً). ورغم أن العديد من أعضاء اللجنة الدستورية هم من خريجي كليات الحقوق، لكن لا يمكن وصفهم بالتكنوقراط بسبب وضوح انتماءاتهم السياسية.

أين يقطن الأعضاء؟

ما يقرب من 37.3 بالمئة من أعضاء اللجنة الدستورية يقطنون خارج سوريا. مرة أخرى، ثمة تفاوت واضح بين الكتل في هذا المجال، مما يوضح النفوذ الذي يمتلكه النظام على معارضيه. ففي حين أن عضواً واحداً من كتلة الحكومة يعيش خارج البلاد، يرتفع هذا الرقم إلى 20 عضواً من كتلة المجتمع المدني و35 عضواً من كتلة هيئة التفاوض. وتُعتبر عودة معظم من يعارضون الأسد في الكتلتين الأخيرتين إلى سوريا تحت سيطرة النظام الحالي مجازفة. ففي الماضي، تم اعتقال حتى المعارضين المعتدلين الذين حاولوا العودة إلى البلاد عند وصولهم إلى دمشق، و نهب ممتلكات آخرين أو مصادرتها. وتمكن معارضون آخرون من العودة إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام في الآونة الأخيرة فقط بعد إعلان تأييدهم للأسد. هذا وتفسر المضايقات والابتزازات التي يتعرض لها المعارضون رفض بعضهم الانضمام إلى اللجنة في المقام الأول.

ويعيش 14 عضواً من اللجنة الدستورية نصنّفهم بأنهم معارضون للنظام إلى حد ما تحت سيطرته (عشرة من هيئة التفاوض وأربعة من المجتمع المدني). ويُرجّح أن يواجه هؤلاء الأعضاء تهديدات وضغوط من النظام حين تتم مناقشة القضايا المحورية، مثل فصل السلطات أو دين رئيس الدولة.

توصيات

1. تتلخّص الأولوية الملحة بالنسبة للجنة الدستورية السورية، في إضافة ممثلين أكراد إلى عضويتها، لا سيما أولئك الذين يتمتعون بالتأثير الأكبر على الأرض. وبالتالي ينبغي الترحيب بالجهود الأمريكية والروسية الأخيرة الرامية إلى مصالحة الفصائل الكردية كخطوة نحو دمج الأكراد في السياسات الوطنية ككل. وعلى تركيا أن تنظر إلى هذه العملية باعتبارها فرصة وليست تهديداً.

2. ينبغي وضع آلية للمراقبة تمكّن الأمم المتحدة من تتبع أي تقارير محتملة عن تهديدات أو مضايقات يتعرض لها أعضاء اللجنة الدستورية من أي طرف. ويجب أن تتيح الآلية قناة آمنة للأعضاء للتواصل مع الأمم المتحدة. يُعدّ قدر معين من التجاذب السياسي أمراً طبيعياً وصحياً، لكن اللجوء إلى الإكراه للتأثير على أصوات الأعضاء ليس كذلك. ومع احتمال تزايد وتيرة المضايقات والابتزاز مع استمرار عمل اللجنة، ستصبح الحاجة إلى تأسيس آلية للرقابة أكثر إلحاحاً.

3. من الممكن فهم التفضيلات الدستورية للشعب السوري عبر استخدام الاستبيانات، ويجب أن تشكّل هذه التفضيلات الأساس لكافة المناقشات المستقبلية في اللجنة. فعلى سبيل المثال، تظهر بيانات استطلاع رأي عينة منتظمة تضم 3,000 من المستجيبين أن 64 بالمئة يؤيدون تفويض السلطة إلى المحافظات في الدستور، الفكرة التي عارضها 17 بالمئة من المستجيبين فقط (أما النسبة المتبقية، 19 بالمئة، فهي إما محايدة أو لا تعرف). كما أشارت دراسة سابقة إلى دعم الغالبية لنظام سياسي لامركزي. لكن التركيبة الحالية للجنة الدستورية تقف حاجزاً في وجه نموذج حكم لامركزي، حيث ترى تركيا والنظام أن هذا يصب في مصلحة قضية الانفصال الكردي. على أية حال، إن الاستناد إلى بيانات جديدة أو قائمة كنقطة لبداية المناقشات حول الدستور يحسّن بصورة كبيرة فرص قبول المسودة في الاستفتاء العام. بالإضافة إلى أنه يحسّن موقف الشعب إزاء أعمال اللجنة. 

4. بعد الاعتراف بأن اللجنة الدستورية هي الأمل الأفضل لسوريا في إحداث تغيير إيجابي مستدام، يجب على الأمم المتحدة الضغط على كافة الأطراف لإصدار تصريح مشترك عن التزامها بها. ويُحتمل أن توقع كافة الأطراف على مثل هذا التصريح ولو لمجرد إبعاد اللوم عنها بتعطيل عمل اللجنة الدستورية. وسيقدم هذا التصريح الرمزي دفعة في غاية الأهمية نحو المسار السياسي في وقت يزداد فيه إحباط أعضاء المعارضة من عدم تقدم أعمال اللجنة فيما يستمر الأسد في التشكيك في فعاليتها.

5. لا بد من القيام بمحاولات جادة لإشراك عامة السوريين والمشككين في جدوى عمل اللجنة الدستورية. ويمكن أن يحدث هذا على شكل مناقشات مجموعة التركيز وأوراق السياسات وجمع بيانات استطلاع الرأي وما إلى ذلك. فالشعب السوري بحاجة إلى معرفة أن آراءه مهمة للمتفاوضين.

ملاحظات

[1] اليوم التالي هي منظمة سورية تعمل على تقوية المجتمع المدني السوري والتأثير في صناعة القرار بما يخدم الانتقال الديمقراطي والعدالة في سوريا. مقرها إسطنبول، تركيا (www.tda-sy.org).

 

[2] وفقاً لأرقام المكتب المركزي للإحصاء لعام 2010.

كرم شعار، دكتور سوري في الاقتصاد، رئيس قسم الأبحاث في مركز الشرق للسياسات في تركيا، وباحث في معهد الشرق الأوسط في واشنطن. يعمل كرم كذلك  كباحث اقتصادي خبير في نيوزيلندة.

أيمن الدسوقي، باحث مهتم بالجهات الفاعلة المحلية والاقتصاد السياسي في سوريا. يسعى لتحصيل درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة غازي في تركيا.